الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

هكذا قد تربيت



درست في المدرسة عن الصلاة وحكم تاركها وفضل ادائها في وقتها بأسلوب رتيب وممل لم يجعلني اصليها كما يجب ولم يمنعني من تفويت عدد من الفروض. ولكن صليت فرضاً ذات يوم في مصلى امي مرتدية رداءها المخصص للصلاة وحين انهيت صلاتي التي لم أعي منها شيئاً حدثتني امي بهدوء وملامح صارمة قائلة: هذا المصلى وهذا الرداء لمن يحافظون على جميع الفروض ليس لكِ. كانت عبارتها مؤلمة , ابكتني على الفور. شعرت بأن صلاتي السريعة المتقطعة تلوث مصلى امي ورداءها. ثم إن كانت امي وهي امي ابغضت ذلك مني فكيف يتقبله ربي!!. ولم اترك بعدها فرضاً.

كان اخي صغيراً لم يتجاوز الخامسة من عمره, وكان مع آمي في دكان واخذ قطعة حلوى من الرف وخرج بها مع امي ولم تراها لتدفع ثمنها حتى وصلت إلى البيت. فقالت امي له: لا تأكلها فهي مال مسروق فإن اكلتها فستصبح ناراً في بطنك. يقول اخي مازلت اذكر كيف صور لي خيالي النار تخرج من فمي. وامتنع طفل الخامسة عن اكلها حتى ذهبوا بعد ساعات إلى الدكان ودفعوا ثمنها ثم اكلها. لقد اصبح اخي اليوم في السابعة والعشرين من عمره, ولم يستطيع خلالها ان يمد يده إلى حرام مهما صغر حجمه وقل سعره. لأن صورة النار التي تبدأ من بطنه وتخرج من فمه لم تغادر مخيلته.

كنا نزور مكة المكرمة كثيراً, وحين ذاك كانت شبابيك الغرف فيها بدون شباك حماية. وكثير ما يقع الاطفال منها فيكون مصيرهم الموت او الجروح والكسور. عندما كبرنا انا وأخي وبدأ الشباك يجذبنا فخافت امي علينا ووجدت صعوبة تشرح بها لعقولنا الصغيرة جاذبية الارض والدوار التي تسببه الاماكن المرتفعة. قالت امي: ان الشيطان يجلس تحت كل عمارة فإذا اخرج طفل رأسه قام الشيطان بسحبه إليه. لم ترهبنا امي من "ام السعف والليف" ولا من "حماره القايلة" لتزرع في قلوبنا مخاوف وهمية ترهق طفولتنا. ولكن علقت قلوبنا بالخوف من الله فقط ونفرتنا من الشيطان.
منذ ان ادركت الحياة كنت اتمنى ان يكون لي اخت تشاركني اللعب والحديث وقد علمتني امي الدعاء فأخذت ادعوا الله ان يرزقني بتلك الاخت حتى اشفقت امي من دعائي وخشيت ان يضعف إيماني بالدعاء فقد كنت صغيرة لم اتجاوز السابعة من عمري. كانت تعلم بأنني لن أرزق بأخت فأخبرتني ذات يوم بحنان وبأسلوب جميل بأن ادعوا الله ان يرزقني بإبنة. ومن ذلك الوقت وأنا ادعوا بها. والآن ادركت مدى الحب الذي تحمله لي أمي وكيفية المراعاة لمشاعري الصغيرة ولبذرة الإيمان في قلب تلك الطفلة.

لم تنهي امي المرحلة الثانوية, ولم تجد الوقت الكافي لتقرأ كثيراً في كتب التربية, ورغم ذلك فهي تمتلك ثقافة وسعي للعلم حيث درستني مادة النحو بالأخص حتى تخرجت من الثانوية. وكذلك, هي تمتلك اسلوباً تربوياً مؤثراً حيث تلقي مواعظاً قصيرة بسيطة لكنها لا تُنسى. منذ صغري وهي تقتطع من وقت راحتها او نومها لتخبرني قصص تحمل عبر ربما لم اعيها في حينها و لكني تشربت بتلك المفاهيم فأصبحت الآن اكثر وعياً لأمور الحياة من كثير ممن في نفس عمري. اليوم وقد بلغت الرابعة والعشرين من عمري اجدني استرجع عبارات امي وقصصها فأجد كل خلق اتميز به هو نتاج السنوات التي استثمرتها امي في تربيتي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق